متخصصه بالشأن الإيراني تكشف ل " مصر الآن "سبب إشعال الصراع الحوثي السعودي بالمنطقة
قالت الباحثة المتخصصة بشؤون إيران الدكتورة شيماء المرسي في تصريحات لـ " مصر الآن "أنه ومع تزايد حدة الصراع السعودي الحوثي وكثرة القراءات العاطفية حول ماهيته، أضحى من الملح الإجابة عن تساؤلين رئيسيين: لماذا تهاجم إيران وأذرعها دول الخليج وبالأخص السعودية، وتنأى عن استهداف إسرائيل؟ ولماذا لم تفعل اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا ضد هجمات الحوثيين؟
وقبل الخوض في إجابة هذين السؤالين، لابد من توضيح طبيعة الردع الإيراني لفهم تحركات طهران، فالقراءة الميدانية لجولات الصراع تكشف أنها لا تتعامل بمنطق الند للند التقليدي، بل بمنطق فرض كلفة المتسبب في الحرب، واستغلال خطوط الإمداد والضغط الاقتصادي العالمي، ليتجرع الخصم الكلفة ذاتها.
وأضافت المرسي أنه وبما أن إيران تعاني أزمة طاقوية في تصدير النفط والحصول على عوائدها من الشركات الوسيطة (الصين تحديدا)، فإنها تطبق تهديدها الصريح، إما أن نصدر النفط أو لا أحد، ومن هذا المنطق يمكن تفسير الكثير من التحولات الميدانية خلال الأشهر الأخيرة، وخصوصا استهداف المنشآت النفطية السعودية، وهو ما يقودنا إلى السؤال الأول: لماذا توقفت إيران عن مهاجمة إسرائيل؟
في البداية، سنلاحظ توقف إيران عن استهداف إسرائيل بعدما باغتت بالهجوم الاستباقي لأول مرة باستهداف شمال إسرائيل ٨ يونيو ٢٠٢٦ -وعلى عكس عقيدتها الدفاعية المعتادة في الاكتفاء بالرد بعد الاعتداء - ليكون ذلك ردا تحذيريا على سلسلة غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت ومنشآت إيرانية، معتبرة تلك الغارات انتهاكا مباشرا للتفاهمات والهدنة المؤقتة التي تلت مواجهات فبراير ومارس وإبريل 2026
ويعود سبب هذا التوقف إلى أن إسرائيل توقفت هي الأخرى عن استهداف إيران بشكل مباشر؛ ليس تراجعا، فكلنا نعلم أنها المحرض الأول على الحرب، وقد وظفت ملف إبستين للضغط على ترامب للتورط مع إيران- بل لأن تكلفة الردع أصبحت مرتفعة وباتت تحتاج إلى وقت لإعادة ترميم خسائرها الميدانية واللوجستية والاقتصادية.
في المقابل، زاد التعاون الاستخباراتي المكثف وعمليات التنسيق الميداني بين دول الخليج -وتحديدا السعودية والكويت والإمارات - وبين الإدارة الأمريكية، وهو ما رفع من كلفة الاستهداف الإيراني لتلك الدول، بيد أننا شهدنا لاحقا تراجعا في استهداف إيران للموانئ الإماراتية والبنية النفطية الكويتية، بالتوازي مع توريط الرياض في حرب مع الحوثي، وذلك وفق المعطيات الآتية:
1. تعرضت أبوظبي لضغوط اقتصادية واهتزاز كبير لبيئة الأعمال والمستثمرين، ما دفعها تدريجيا لتبني استراتيجيات دفاعية تنأى بنفسها عن الانخراط الهجومي والاستخباراتي ضد إيران، وقد اتضح ذلك جليا في مخرجات قمة البريكس والتقاء الرئيس الإيراني بيزشكيان بولي عهد أبوظبي على هامش اليوم الأول من قمة نيودلهي، حيث وقع الجانبان على بيان مشترك صادر عن المجموعة يدعو إلى ضبط النفس في حرب الشرق الأوسط.
2. دفع تعرض الكويت في محطات سابقة لضغوط أمنية واستهدافات طالت بنيتها النفطية الحيوية، وهو ما شكل تهديدا مباشرا لعصب الاقتصاد الكويتي المرتبط بتصدير الطاقة، إلى رفع الجاهزية الدفاعية والانخراط في ترتيبات التنسيق الأمني والاستخباراتي الإقليمي والدولي لحماية خطوط الملاحة وإمدادات الطاقة، لكن مثلما حدث مع الإمارات، أدركت القيادة في الكويت أن الانخراط المباشر في حرب مع إيران، يعرض الاستقرار الداخلي والبيئة الاقتصادية لمخاطر هائلة لا طاقة لها بها، وهذا على عكس تحركات الرياض...
وقالت "جدير بالذكر أن هذا الانكفاء النسبي لكل من الإمارات والكويت نحو الحياد وإدارة الأزمات لا يفهم منه بأي حال التخلي عن التحالفات الاستراتيجية الغربية، بقدر ما يمثل إعادة تموضع تكتيكي مدروس يهدف إلى تجنب الكلفة المباشرة للحرب وحماية الأمن الاقتصادي الوطني."
1. أشارت شبكة CNN وتقارير غربية إلى وجود تعاون استخباراتي مكثف وعمليات تنسيق ميداني بين الرياض وواشنطن، حيث تواجد خبراء وعسكريون أمريكيون لتقديم دعم استخباراتي لوجستي لتحديد أهداف الحملة التي تقودها الرياض ضد البنية الصاروخية ومواقع الطائرات المسيرة التابعة للحوثيين.
كما كشف تقرير لمعهد دراسة الحرب (ISW) ومعهد واشنطن عن اعتماد الرياض على مسارات استخباراتية مشتركة -تتضمن تنسيقا غير معلن مع قدرات المراقبة الأمريكية والإسرائيلية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب- لرصد حركة إمدادات الصواريخ الإيرانية الموجهة للحوثيين، فضلا عن مشاركة السعودية في توفير بدائل طاقة مثل خط أنابيب الشرق-الغرب (بترولاين) لتصدير الخام من ميناء ينبع متجاوزة مضيق هرمز، لكسر الحصار الإيراني ودعم سياسة واشنطن في تصفير صادرات النفط الإيراني، وهو ما شكل ضغطا اقتصاديا هائلا على طهران دفعها للرد عبر وكيلها اليمني (الحوثي) لنقل كلفة الحرب إلى الداخل السعودي واستهداف بنيته التحتية الاقتصادية والنفطية، ولأن العقيدة الاستراتيجية الإيرانية تعتمد على مبدأ (نقل الفوضى إلى حدود الخصم)، فقد ورطت السعودية لتعييد النظر في تحالفاتها واصطفافاتها الإقليمية مع سياسة واشنطن، (يمكن الإطلاع على مقالة: مصيدة هرمز والحوثي.. كيف تعيد طهران صياغة قواعد الملاحة الدولية؟/موقع الجزيرة نت/ ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦) لفهم خديعة طهران للرياض.
1. تشير التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية والغربية إلى أن طهران تدرك أن الضربات المباشرة وكثافة المواجهة مع إسرائيل ستمنحان الأخيرة الغطاء الكامل لتوسيع الحرب إقليميا بدعم أمريكي، وتدمير البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية؛ لذلك فضلت إدارة الصراع عبر الوكلاء والاستنزاف غير المباشر للشركاء الخليجيين.
واوضحت أنه ومن هنا، يمكن تفسير السلوك الإيراني العدائي ضد دول الخليج خلال الحرب على أنه محاولة لإثبات قدرتها على فرض معادلات ردع جديدة في المنطقة، بالتوازي مع اختبار مدى استعداد تلك الدول، لإعادة تقييم اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة أو الانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية تكون إيران طرفها الرئيس (وهذا كان واضحا في أول خطاب مكتوب للمرشد الإيراني، مجتبى خامنئي)، ولعل ذلك يفسر أيضا حرص طهران على ممارسة أقصى درجات الضغط في حرمان جيرانها من تصدير النفط، كرسالة بأن البدائل الخليجية للالتفاف على المضيق لن تكون بمنأى عن النفوذ الإيراني.

وفيما يخص التساؤل حول عدم تفعيل اتفاقية مكة بين السعودية وباكستان وتركيا، والتي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح يقع على أي من الدول الثلاث بمثابة هجوم موجه ضد الدول الثلاث جميعا، فإن الإجابة تكمن في وجود فجوة حقيقية بين النصوص العسكرية والواقع الميداني في التحالفات الإقليمية.
فالحسابات الاستراتيجية للدول الكبرى لا تبنى على الشعارات أو نصوص الاتفاقيات فحسب، بل على تقييم دقيق لمعادلة الكلفة مقابل العائد، وبناء عليه، لم تتورط باكستان أو تركيا في حرب مباشرة ضد إيران وأذرعها، لإدراكهما أن قدرات طهران العسكرية لا تقاس بمستوى الردع التقليدي فحسب، بل بعقيدة الدفاع المتقدم عبر الشبكات، ما يعني أن أي مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة ستفتح جبهات داخلية لا تحمد عقباها، للأسباب التالية:
1. رغم العلاقات العسكرية التاريخية العميقة بين إسلام آباد والرياض، إلا أن باكستان تدرك حساسية التوازنات الطائفية والديموغرافية الداخلية، ووجود خلايا وتيارات باكستانية تتأثر بالأيديولوجية الإيرانية، وهو ما يجعل الدخول في حرب مباشرة مغامرة قد تهدد استقرار الدولة الباكستانية من الداخل.
2. ترتبط أنقرة بحسابات معقدة مع طهران تتراوح بين التعاون الاقتصادي والمنافسة الجيوسياسية في سوريا والعراق والقوقاز، فضلا عن إدراكها أن الدخول في صدام عسكري مباشر سيجر تداعيات أمنية واقتصادية هائلة يصعب ضبط إيقاعها.
والأهم من ذلك أنه في الصراعات الحديثة، نادرا ما تلتزم الدول بالدفاع التلقائي المتبادل بالطريقة الكلاسيكية (مثل بند الدفاع المشترك في حلف الناتو أو اتفاقية مكة) إلا إذا كان التهديد المباشر يمس وجود الدولة نفسها بشكل لا يحتمل التأويل، أما في حالة الصراع مع إيران، فإن طبيعة الحرب الهجينة التي تعتمد على الوكلاء، والضغط السيبراني، والاقتصاد، وحروب الطاقة، تجعل الحلفاء يفضلون سقف الدعم الاستراتيجي غير المباشر، كالدعم الدبلوماسي والاستخباراتي أو توفير الغطاء السياسي، وذلك على الانزلاق إلى مستنقع حرب مفتوحة.
لهذا السبب، ظلت تحركات الأطراف الإقليمية محكومة بضرورة حماية المصالح الحيوية دون الانخراط في معركة بالوكالة تفوق طاقتهم على الاحتمال، وهو ما جعل الرهان دائما منحصرا في احتواء التمدد الإيراني بالوسائل الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية الضيقة، تاركين المواجهة الكبرى محصورة في تفاعلات معقدة تديرها القوى الكبرى مثل واشنطن وتل أبيب وطهران عبر أدوات الاحتكاك الإقليمي.






